فصل: مطلب خروج دابة الأرض ومحلها وعملها ووجوب الاعتقاد بها:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.مطلب اختلاف أهل الكتابين والقليل هم الشاكرون:

قال تعالى: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ} الآية 13 من سورة سبأ في ج 2، وهكذا الأقل هو الشاكر والأكثر {لا يَشْكُرُونَ} 73 نعم اللّه التي من جملتها تأخير نزول العذاب {وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ} من عداوتك وتخفيه من مناوأتك {وَما يُعْلِنُونَ} 74 منها وهو يكفيك ذلك {وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ} مهما كانت غامضة متغمضة في الخفاء {إِلَّا} قد علمها اللّه وأحاط بها من قبل وأثبتها {فِي كِتابٍ مُبِينٍ} 75 لمن له حق النظر فيه وهو على ظهوره فيه كل شيء مكتوم عن غير اللّه، وهو مصدر كل الكتب الإلهية {إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ} المدون ذلك الكتاب المنزل عليك يا محمد {يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ} أهل الكتابين التوراة والإنجيل الذين يستفتونهم أهل مكة في أمرك {أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} 76 من أمر دينهم ودنياهم، لأنهم أنفسهم اختلفوا بعضهم مع بعض، فمنهم من يقول المسيح هو اللّه ومنهم من يقول ابنه، ومنهم من يقول ثالث ثلاثه، ومنهم من يقول نبي كسائر الأنبياء وهو الصحيح، ومنهم من ينسبه وحاشاه إلى الكذب في دعواه وأمه إلى ما هي براء منه وهي العذراء التقية المصونة المفضلة على نساء زمانها، وان اليهود عليهم غضب اللّه كذبوه وقصدوا إهانته فأنجاه اللّه منهم ورفعه إليه، وقالوا عزير ابن اللّه، وقالوا على اللّه بالبداء أي أنه يفعل الشيء مما يقع في كونه ثم يندم على فعله فيفعل غيره، وحاشاه تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا، واختلفوا في أمر النبي المبشر به في التوراة فمنهم من يقول يوشع، ومنهم من يقول عيسى، ومنهم من يقول لمّا يأت ولم يحن زمانه، ومنهم من يقول هو محمد وهو الصحيح، ولهم اختلافات في أمر دينهم ودنياهم لا تدخل تحت الحصر، وقد أنزل اللّه هذا القرآن على محمد بين فيه ما اختلفوا فيه بيانا كافيا شافيا مما يوجب إيمانهم لو تأملوا وأنصفوا، ولكنهم لم يفعلوا مكابرة، ولذلك كذبوه كما فعل المشركون من قومه أو قالوا فيه ساحر وكاهن وناقل ومتعلم، وأن القرآن سحر وكهانة وأساطير الأولين، فقد كذبوا، وصفه أنه كلام اللّه عز وجل {وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} 77 به، وضلال وعذاب للكافرين قال تعالى: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} الآية 14 من سورة فصلت في ج 2، فيا أكرم الرسل اتركهم الآن {إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ} في هذه الدنيا ويوم القيامة {بِحُكْمِهِ} العدل في اختلافهم هذا وغيره من كل ما تسول لهم به أنفسهم الخبيثة {وَهُوَ الْعَزِيزُ} الغالب الذي لا يرد أمره ولا يعقب حكمه {الْعَلِيمُ} 78 بما يفعلون وما يستوجبون، لأنه يعلم دخائلهم {فَتَوَكَّلْ} يا سيد الرسل واعتمد {عَلَى اللَّهِ} ربك وثق به وفوّض أمرك إليه {إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ} 79 وهم على الباطل الظاهر، تشير هذه الآية بوجوب توكل الخلق على خالقهم في كل أمورهم، ولكنه لا يفهم منها ترك الأسباب وعدم اتخاذ الواسطة لقضاء الأمور، بل لا بأس بها وخاصة في هذا الزمن، ولكن لا يعتمد مع اتخاذ الأسباب إلا على اللّه وحده في قضاء حوائجه، ولا يعرف أنها قضيت إلا منه وبأمره، لأنه هو الذي يوقع في القلوب ما يريده للعبد فيعملونه قسرا من حيث لا يشعرون أنه مراد اللّه سواء الخير والشر، ولو شاء لحال بين تلك الأسباب ولم يوفق العبد لها، ولو لم يشأ لعجز أهل الأرض والسماء عن قضائها {إِنَّكَ لا تُسْمِعُ} بدعوتك هذه {الْمَوْتى} قلوبهم {وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ} 80 لأنهم إذا قابلوك قد يفهمون بالإشارة والرمز أو بمكبرات الصوت، ولكنهم إذا ولوك ظهورهم امتنع إفهامهم وإسماعهم.
{وَما أَنْتَ} يا حبيبي {بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ} ولا بمرشد من أعماه اللّه عن طريق الحق، وأعمى قلبه عن قبول الإيمان {إِنْ تُسْمِعُ} أي ما تسمع إسماعا يجدي السامع نفعا {إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا} فهذا الصنف يمكنك أن تسمعه دعوتك لأنه ينتفع بها {فَهُمْ مُسْلِمُونَ} 81 لك منقادون لامرك، مخلصون في اتباعك، واللّه يعلم من يؤمن ممن لا يؤمن، فلا تذهب نفسك حسرات على من لا يقبل نصحك ولا يسمع أمرك.

.مطلب خروج دابة الأرض ومحلها وعملها ووجوب الاعتقاد بها:

قال تعالى: {وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ} أي عصاة أهل الأرض بأن أغضبوا اللّه الحليم بإصرارهم على ما هم عليه، ووجبت عليهم الحجة، واستحقوا العقاب المقدر عليهم، وظهر لأهل زمانهم الأياس من إيمانهم ولم يبق لهم أمل فيهم ولا رجاء بإصلاحهم {أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ} قبل قيام الساعة، وهي آية على انتهاء الأمر، وإغلاق باب التوبة، وستعطى هذه الدابة قوة {تُكَلِّمُهُمْ} بلسان فصيح يفهمه كلهم، فتسم المؤمن بإيمانه والكافر بكفره، وتقول ما قال اللّه تعالى تبكيتا وتقريعا إليهم، {أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ} 82 بوقوعها ولا يصدقون بمجيء الساعة والبعث بعد الموت والحساب والجزاء.
روي عن عبد اللّه ابن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول إنّ أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيّتها كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها قريبا.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم:
تخرج الدابة ومعها خاتم سليمان وعصا موسى فتجلو وجه المؤمن، وتخطم أنف الكافر بالخاتم، حتى إن أهل الحق ليجتمعون فيقول هذا يا مؤمن، ويقول هذا يا كافر.
أخرجه الترمذي وقال حديث حسن- وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال: يكون للدابة ثلاث خرجات من الدهر فتخرج خروجا بأقصى اليمن، فينشو ذكرها بالبادية لا يدخل ذكرها القرية يعني مكة، ثم تمكث زمانا طويلا، ثم تخرج خرجة أخرى قريبا من مكة فيفشو ذكرها بالبادية ويدخل ذكرها القرية يعني مكة، ثم بين الناس في أعظم المساجد على اللّه حرمة وأكرمها على اللّه يعني المسجد الحرام لم يرعهم الا وهي في ناحية المسجد، تدنو، وتدنو كذا وكذا، قال عمرو ما بين الركن الأسود إلى باب بني مخزوم عن يمين الخارج في وسط من ذلك، فارقض الناس عنها وتثبت لها عصابة عرفوا أنهم لم يعجزوا اللّه، فخرجت عليهم تنقض رأسها من التراب، فمرّت بهم فجلت وجوههم حتي تركتها كأنها الكواكب الدرّية، ثم ولت في الأرض لا يدركها طالب ولا يعجزها هارب، حتى إن الرجل ليقوم فيعوذ منها بالصلاة فتأتيه من خلفه فتقول يا فلان الآن تصلى فيقبل عليها بوجهه فتسمه في وجهه فيتجاور الناس في ديارهم ويصطبحون في أسفارهم، ويشتركون في الأحوال، يعرف الكافر من المؤمن، فيقال للمؤمن يا مؤمن، وللكافر يا كافر.
وجاء بإسناد الثعلبي عن حذيفة بن اليمان ذكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الدابة، قلت يا رسول اللّه من أين تخرج؟ قال: «من أعظم المساجد حرمة على اللّه» ولا أعظم عند اللّه كرما ولا أوجب حرمة ولا أكثر تبجيلا من المسجد الحرام على خلق اللّه كذلك ذكرنا آنفا أنه هو فبينما عيسى يطوف بالبيت ومعه المسلمون، إذ تضطرب الأرض وتنشق الصفا مما يلي المسعى، وتخرج الدابة من الصفا، أول ما يخرج منها رأسها ملمعة ذات وبر وريش، لن يدركها الطالب ولن يفوتها هارب، تسم الناس مؤمنا وكافرا، فأما المؤمن فتترك وجهه كأنه كوكب دري، وتكتب بين عينيه مؤمن، وأما الكافر فتنكت بين عينيه نكتة سوداء وتكتب بين عينيه كافر.
وعن أبي هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال: بئس الشعب شعب أجياد، مرتين أو ثلاثا، قيل ولم ذلك يا رسول اللّه؟ قال تخرج منه الدابة تصرخ ثلاث صرخات يسمعها من بين الخافقين.
وروي عن ابن عباس أنه قرع الصفا بعصاه وهو محرم، وقال إن الدابة تسمع قرع عصاي.
وجاء عن ابن عمر قال إن الدابة تخرج ليلة جمع ليلة عرفة يقال لها ليلة جمع ويوم جمع لاجتماع الناس فيها والناس يسيرون إلى منى وروي عن ابن الزبير أنه وصف الدابة فقال رأسها رأس ثور، وعينها عين خنزير، وأذنها أذن فيل، وقرنها قرن ايّل، وصدرها صدر أسد، ولونها لون نمر، وخاصرتها خاصرة هر، وذنبها ذنب كبش، وقوائمها قوائم بعير، بين كل مفصلين اثنا عشر ذراعا.
وقال عبد اللّه بن عمر تمس برأسها السحاب، ورجلاها في الأرض، وقال علي كرم اللّه وجهه: لها لحية، ولا ذنب لها.
وقال وهب: وجهها وجه رجل وسائر خلقها كالطير، واللّه أعلم بحقيقتها.
الحكم الشرعي وجوب الاعتقاد بخروجها جزما اعتقادا لا مرية فيه، ومن أنكرها يكفر والعياذ باللّه لثبوتها نصا بالقرآن العظيم وينفي تأويلها عن الظاهر الأحاديث المارة الذكر، لذلك يجب أن يعتقد أن كل تأويل يصرف حقيقتها إلى معنى آخر على طريق المجاز باطل لا يجوز الالتفات إليه.
أما وقت خروجها وكيفيّتها ومكان خروجها وما تقوله وتفعله، فيجب أن يجعل علم ذلك إلى اللّه، لأن الأحاديث كثيرة في ذلك، وفيها ما يعارض بعضه بعضا، وقد نقلنا أصح ما جاء فيها من الأخبار وتركنا غيره.

.مطلب مواقف القيامة وأن لا نفخة ثالثة:

قال تعالى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا} واذكر يا محمد لقومك بعد ذكر الدابة يوم نجمع من كل أمة من أمم الأنبياء جماعة كثيرة {مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا} المنزلة على رسلنا لإرشادهم {فَهُمْ يُوزَعُونَ} 83 لشدة الازدحام في ذلك اليوم العظيم يحبس أولهم آخرهم ليجتمعوا فيساقوا دفعة واجدة {حَتَّى إِذا جَاءُوا} وصلوا إلى محل العرض أثناء مرورهم به، وأرقفوا بين يدي ربهم في ذلك الموقف الرهيب {قالَ} لهم على طريق الاستفهام التوبيخي {أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي} المبلغة إليكم من رسلي في الدنيا {وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا} والحال انكم لم تعرفوها حق معرفتها بل كذبتموها بادىء الرأي من غير أن تتفكروا بمنزلها وتنظروا الصادقين الذين أرشدوكم إليها {أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} 84 بها في الدنيا أجحدتموها وقد جاءكم بها رسل؟ فخرسوا، إذ لا حجة لهم يتذرعون بها قال تعالى: {وَوَقَعَ الْقَوْلُ} وجب العذاب الثابت في قوله تعالى: {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ} الآية 13 من سورة السجدة في ج 2 {عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا} أنفسهم بالكفر والعصيان وعدم الالتفات إلى آيات اللّه التي ذكرتهم أنهم لم يخلقوا عبثا {فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ} 85 إذ يغشاهم العذاب فيشغلهم عن الاعتذار، وتكون أفواههم كأنها مختوم عليها، راجع الآية 25 من المرسلات المارة، وهذا في موطن من مواطن القيامة، وقد ذكرنا أن فيها مواطن كثيرة منها ما يعتذر فيه، ومنها ما يتحاج فيه، ومنها ما ينكر فيه، ومنها ما يعترف فيه، ومنها ومنها، أجارنا اللّه منها، راجع الآية 81 من سورة مريم والآية 64 من سورة يس المارتين قال تعالى: {أَلَمْ يَرَوْا} هؤلاء الجاحدون قدرتنا {أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ} ويستوحوا لأنفسهم من نصب المعاش {وَالنَّهارَ مُبْصِرًا} مضيئا لينتفعوا به بما يقوّم أمورهم، وهذه الرؤية قلبية لأن الليل والنهار وإن كانا مبصرين بالعين لكن جعل كون الليل للراحة والنهار للعمل من الأمور المعقولة لا المبصرة، أي ألم يعلموا جعلنا الليل المظلم للنوم والقرار؟ قيل: النوم راحة القوى الحسية، من حركات القوى النفسية، والنهار المضيء للشغل النافع مادة ومعنى {إِنَّ فِي ذلِكَ} الجعل المسلوك بنظام بديع لا يتغير {لَآياتٍ} دالات على كبير نعمنا وقوة ارادتنا {لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} 86 بنا ويصدقون رسلنا {وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ} القرن، والنافخ به إسرافيل عليه السلام، وكان أمراء الجيوش أخذوا بوقهم من هذا كما أخذت ترتيبات الشرطة والدرك والجيش والتعذيب وسرادق الملك ولبهته والوزراء والعمال وغيرهم من القرآن، لأن الدنيا تذكرة ومثالا للآخرة، والمراد بهذه النفخة الثانية بدليل قوله تعالى: {فَفَزِعَ} خاف ودهش وارتعد {مَنْ فِي السَّماواتِ} من الملائكة {وَمَنْ فِي الْأَرْضِ} من الخلائق فيشمل الإنس والجن والوحش وغيرها، وجاء الفعل بلفظ الماضي بدلا من المضارع لتحققه، لأن المستقبل من فعل متيقن الوقوع كالماضي لأنه من اخبار اللّه تعالى، وهو حق ثابت لا مرته فيه واستثنى من هذا العموم في قوله: {إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ} رضوان خازن الجنة، ومالك خازن النار، والحور العين والولدان وحملة العرش والمقربون والزبانية، وإدريس لأن اللّه رفعه بعد الموت وموسى لأنه صعق بالطور وغيرهم ممن أراد استثناءهم، وهذا التفسير على جعل النفخة هي الثانية أولى وأنسب بالمقام من جعلها النفخة الأولى، لأن تمام الآية الآتية تدل دلالة صريحة على ذلك، وان المراد بمن في السموات والأرض جميع الخلائق عدا من استثنى اللّه، إذ لا أحد الا ويصيبه فزع وهول ورهبة يوم القيامة عند النفخة الاخيرة إذ لا يدري الناس ماذا يراد بهم وما يفعل بتقيهم وشقيهم، ولا يبعد أن يدخل فيمن استثنى اللّه الأنبياء والشهداء والعلماء العاملون والأولياء العارفون الذين ثبتهم اللّه بتثبيتة الداخلون في قوله: {وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ} الآية 89 الآتية وبقوله: {لا يحزنهم الفزع الأكبر} الآية 103 من سورة الأنبياء في ج 3، روى عن أبي هريرة أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم سئل عن قوله تعالى: {إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ} قال هم الشهداء مقلدون بسيوفهم حول العرش.
قال ابن عباس هم الشهداء لأنهم أحياء عند ربهم يرزقون لا يصل إليهم الفزع.
راجع تفسير هذه الآية الآتية 172 من سورة آل عمران في ج 3 {وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ} 87 صاغرين ذليلين، وفي هذه النفخة تتطاير من بوق اسرافيل أرواح جميع الأموات فتذهب كل روح إلى جسدها كأنها محشوة فيه فتنشر الأموات من مدافنها أحياء بأمر اللّه وإرادته فيهم فيهرولون نحو الصوت سراعا لا يميلون عنه، قال تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ} الآية 108 من سورة طه المارة وليعلم أن سيدنا إسرافيل عليه السلام منتظر دائما ربه سبحانه، فعند ما يتلقاه يفاجأ الكون به حالا، أما ما قاله الألوسي في الغالبة بان النفخات ثلاث، مستدلا بهذه الآية إذ سماها نفخة الفزع والثانية نفخة الصعق والثالثة نفخة البعث، ويؤيد استدلاله بآية ص المارة وهي {وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ} 15 فهو قول لا مستند له ولا يفهم من هذه الآية الا مطلق نفخة وتحمل بالنسبة لسياق التنزيل على النفخة الثانية كما بيناه في تفسيرها فراجعه وبما أن الإجماع على أنهما نفختان لا ثالثة لهما فكل قول يخالفه لا قيمة له، ولهذا لا عبرة يقوله هذا رحمه اللّه فلا يؤخذ به لعدم استناده على دليل قاطع ولانفراده بهذا القول وحده.
قال تعالى: {وَتَرَى الْجِبالَ} رأي العين {تَحْسَبُها جامِدَةً} ساكنة واقفة قائمة في أمكنتها ممكة عن الحركة {وَهِيَ} والحال أنها تسير سيرا حثيثا {تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ} الذي تسيره الرياح بسرعة عظيمة وتجزأه أجزاء على عظمه وهكذا الأجرام الكبيرة إذا تحركت نحو سمت واحد تراها واقفة بلا شك إذ لا يكاد يحس بحركتها لاجتماعها وكثرتها والتصاقها بعضها ببعض، قال النابغة الجعدي في وصف جيش عظيم:
بأرعن مثل الطود تحسب أنهم ** وقوف لجاج والركاب تهملج

وقيل المراد بالسير هو الوسط.
قال الأعشى:
كأن مشيتها في بيت جارتها ** مر السّحابة لا ريث ولا عجل

والأول أولى بالمقام لأن المراد بمر السّحاب سيره إذا شتتته الريح، فلا ترى أسرع منه، لهذا حسن التشبيه.
قال تعالى إن هذا الصنع البديع العجيب المتقن في حركة الجبال هو {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي} يعجز عنه الخلق أجمع كيف لا وهو {أَتْقَنَ كُلَّ شيء} خلقه وأحكمه وسواه فأحسنه على ما تقتضيه حكمته البالغة {إِنَّهُ} الفاعل لذلك {خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ} في هذه الدنيا من الطبائع الحسنة والسيئة، ومن الأعمال الطيبة والقبيحة، وأنه يوم ترجعون إليه سيكافئ الخير خيرا والشرير شرا.